top of page

خيوط الأمل

تُعد حقائب سارة أكثر من مجرد علامة تجارية للحقائب الفاخرة، بل هي قصة عن الأمل وتمكين المرأة، إذ سعت الدار منذ تأسيسها إلى تمكين النساء اللواتي يبدعن هذه القطع المصنوعة يدوياً.


على عكس معظم بيوت الأزياء التي تتبنى مبادرات مجتمعية بعد تأسيسها بفترة من الزمن، فإن "حقائب سارة" ارتكزت منذ انطلاقتها الأولى على هدف واحد يتمثل بتمكين المرأة ودعمها.



عندما شرعت المصممة اللبنانية سارة بيضون مؤسسة العلامة التجارية، في رحلتها الريادية منذ أكثر من عقدين من الزمن، امتدت رؤيتها إلى أبعد من مجرد صناعة إكسسوارات جميلة، بل سعت إلى إحداث تأثير إيجابي على حياة النساء من خلال تمكينهن اقتصادياً واجتماعياً. 


وعلى الرغم من الشهرة الدولية الواسعة التي حققتها الدار على مرّ السنين، واستقطاب العديد من الزبائن البارزين مثل ملكة الأردن رانيا، وبيونسيه، وكاترين دونوف، وأمل كلوني، وزها حديد، إلا أن حقائب سارة لا تزال مشروعاً اجتماعياً في جوهره يهدف إلى تمكين كل من الحرفيين الذين يعملون معها والنساء اللواتي يرتدينها.



بدايات متواضعة

بدأت رحلة سارة غير التقليدية في عالم الموضة خلال عامها الأخير في جامعة القديس يوسف بينما كانت تتحضر لشهادة عليا في علم الاجتماع. خلال عملها البحثي في دار الأمل، وهي منظمة غير حكومية متخصصة في إعادة تأهيل النساء المعرضات للخطر والنساء السجينات السابقات، شعرت سارة بالحاجة إلى مساعدة هؤلاء النساء على إعادة الاندماج في المجتمع وتحقيق الاستقلالية المالية. وجدت سارة متنفساً لها في الحرف اليدوية، فشرعت في مهمة تدريب هؤلاء النساء على خياطة الخرز على القماش. تطور هذا المسعى عندما بدأت سارة في رسم أنماطها الخاصة على قطع القماش مع إتقان النساء فن زخرفة الخرز.


أخذت سارة هذه القطع إلى صانع حقائب يد محترف، والذي قام بعد ذلك بتحويل الخامة المطرزة بالخرز إلى حقائب يد. كانت مبادرة رائدة أسفرت عن إنتاج أول مجموعة من الحقائب المصنوعة تحت علامتها التجارية التي لم تكن قد تأسست بعد.


ولمعرفة مدى تقبل السوق لهذه التصاميم، استأجرت سارة كشكاً في سوق للحرف اليدوية في بيروت، حيث كانت هذه المرة الأولى التي تعرض إبداعاتها أمام الجمهور. ومع نهاية اليوم، بيعت جميع الحقائب، مما أكد صواب رؤية سارة. دفعها هذا الانتصار المبكر إلى توسيع المشروع بشكل أكبر لتؤسس علامة تجارية بأكملها تقوم على مبدأ توظيف السجينات السابقات والحاليات، مما يمنحهن أملاً وهدفاً جديدين.


نجاح قيد التكوين

أشعل هذا النجاح الأولي، إلى جانب تعاون سارة الإبداعي مع النساء المحرومات وتطوير تصاميم جديدة، إدراكها لشغفها الحقيقي في الحياة. وبالشراكة مع صديقتها سارة نحولي، قررت سارة خوض رحلة استمرت أربع سنوات لبناء العلامة التجارية بأسلوبهما غير التقليدي المتمثل في العمل مع نزيلات السجن. حققت مجموعتهما الثانية نجاحاً باهراً، وعززت تواجد العلامة التجارية في السوق، ووسعت قاعدة عملائها، وذلك بفضل المنتجات العصرية والأنيقة التي تميزت بها. وفي عام 2004، افتتحت "حقائب سارة" مقراً لها في حي الأشرفية العصري، حيث يعرض هذا المتجر الرئيسي إبداعات العلامة التجارية حتى اليوم.


على مدار العقد، أطلقت سارة بالتعاون مع فريقها عدداً من الإبداعات المذهلة، وكانت كل حقيبة بمثابة شهادة على رؤيتها الفريدة وإلهامها المتجذر في تراثها اللبناني والعربي.



من خلال دمج عناصر مثل الشعر العربي، وفن الطهي، والهندسة المعمارية، إلى جانب إشارات إلى أيقونات ثقافة البوب وأساطير السينما، روت كل حقيبة قصة آسرة. لفتت حقائب اليد على شكل "الكعك" الأنظار بشكل خاص، حيث جسدت الروح المحلية المتأصلة في تصاميمها. كما عكست بعض القطع أيضاً رحلات سارة ومزاجها وشغفها، مضيفة طبقة إضافية من الأصالة والعمق لاقت صدى لدى عشاق الموضة في الشرق الأوسط. 


علاوة على ذلك، نتج عن أسلوبها المذهل في التصميم والمتمثل في المزج بين الحداثة والتقنيات القديمة مثل الحياكة والتطريز اليدوي والكروشيه، قطعاً مميزة وفريدة من نوعها. وتنوعت التصاميم لتشمل أسلوب "ريترو شيك" والمجموعات الانتقائية للأنماط الفلكلورية والخط العربي وعناصر موسيقى البانك روك والرسومات الجدارية والمطبوعات التصويرية، لتحتفي بالثراء الثقافي والتفرد، مما جعل مجموعاتها مطلوبة بشدة في المنطقة.


شهرة عالمية

بعد توسيع نجاحاتها الإقليمية، سعت سارة إلى تحقيق حلمها بتحويل "حقائب سارة" إلى علامة تجارية عالمية. وفي عام 2014، انضمت شقيقتها ملك، وهي خبيرة في مجال الإعلان والمطبوعات، إلى الشركة كشريكة، حيث جلبت خبرتها القيمة في المجال إلى العلامة التجارية. أثمرت هذه الجهود عندما سلطت الأضواء على "حقائب سارة" عام 2015 عندما ظهرت الملكة الأردنية رانيا وهي تحمل حقيبة يد أرابيسك الفضية، وهي عبارة عن تحفة فنية رائعة مزينة بخيوط فضية معقدة. وفي عام 2023، تزينت ذراع ابنة الملكة، الأميرة إيمان، بالحقيبة ذاتها خلال حفل الزفاف الملكي لشقيقها.



في عام 2018، تألقت بيونسيه خلال مهرجان المواطن العالمي في جنوب أفريقيا، وهي تحمل حقيبة "Chili Marquetry" من مجموعة "Love Inked" للعلامة التجارية. تميزت الحقيبة، المصنوعة باستخدام تقنية الترصيع الخشبي الشامية القديمة، بنقوش هندسية ساحرة. وعلى الفور، نفدت جميع القطع عبر جميع المنصات الدولية، مما عزز مكانة العلامة التجارية كقوة عالمية في عالم الموضة.


بمرور الوقت، اكتسبت الحقائب قاعدة جماهيرية عالمية، وكان تعاونها الأخير مع دار الأزياء الفرنسية الراقية "كلوي" بمثابة شهادة على نجاحها الباهر. بدأت هذه الشراكة، التي تجمع بين علامتين تجاريتين تدعمان المرأة، مع إطلاق أول حقيبة مشتركة في يوليو 2022. أعادت هذه الشراكة الحياة إلى حقيبة "وودي" الشهيرة من كلوي، وحوّلتها إلى إكسسوار مصنوع يدوياً وملفت للنظر.


أعيد تقديم الحقيبة باللونين البيج والبني بحجم أصغر ومن الكروشيه - وهو حرفة تقليدية واسعة الانتشار في منطقة البحر الأبيض المتوسط وتم اختيارها بسبب جاذبيتها الخالدة في المنطقة. تتميز الحقيبة بطابع بوهيمي أنيق، وتستحضر ذكريات أيام الصيف الطويلة على الشاطئ والنزهات الهادئة في فترة ما بعد الظهيرة.



واليوم، تمتلك حقائب سارة أكثر من 30 نقطة بيع حول العالم بالإضافة إلى متجر إلكتروني. وقد توسعت إبداعاتها لتشمل مجموعة متنوعة من المنتجات، بدءاً من حقائب الشاطئ وحقائب السهرة وحتى حقائب اليد والحقائب والأحذية والأوشحة والأحزمة والأساور والقلائد المزينة بالخرز. وعلى الرغم من شهرتها المتزايدة، ظلت سارة متمسكة بجذورها، إذ لا تزال تقود التوجه الإبداعي للعلامة التجارية وتصمم كل حقيبة بنفسها. ويساهم فريق من 200 حرفية من النساء المحرومات بحرفية أيديهن الماهرة في تصنيع الحقائب، حيث يستغرق الإنتاج ما يصل إلى ثلاثة أسابيع، اعتماداً على مدى تعقيد التصميم. تنتج "حقائب سارة" حوالي 800 قطعة شهرياً، كل قطعة فريدة من نوعها، تُجسد قصة تمكين وإبداع.



العديد من هؤلاء الحرفيات المتفانيات يعملن مع الشركة منذ أيامها الأولى، حيث استخدمن خبرتهن في صنع حقائب يد استثنائية. إلى جانب توفير فرص العمل، مكنت هذه الفرصة القيمة هؤلاء النساء من استعادة حياتهن وتحقيق الاستقلال المالي، حتى أن البعض منهن استخدمن دخلهن لإلغاء إدانات خاطئة بنجاح. وبعد إطلاق سراحهن من السجن، أصبحت بعض الحرفيات مرشدات يقمن بتدريب نساء أخريات في مجتمعاتهن وتحفيز النمو الاقتصادي في قرى لبنان. وبذلك، يلعبن دوراً حيوياً في الحفاظ على تقاليد الحرف اليدوية التي تعود إلى قرون مضت في الشرق الأوسط، مما يعزز مكانتهن كمساهمات فاعلات في نسيج مجتمعهن.

bottom of page